المشاكل السلوكية المرتبطة بالتوحد

ما الذي يتسبب في ثوران طفلك؟

لا يُعتبر التوحد إعاقة ثابتة داخل جينات الطفل لكي تظل مستمرة كما هي إلى الأبد. إن الاهتمام بالبيئة المحيطة بالطفل بشكل مختلف وتسجيلها أثناء حالات الثوران وقبلها من شأنه أن يؤدي إلى فهم محفزات تلك الحالات، كذلك يمكن أن تساعد الاستراحات الحسية طفلك على لملمة شتات نفسه وإعادة التركيز.

التعرف على احتياجات طفلك

هناك الكثير من الأبحاث المتعلقة بافتقار المصابين بالتوحد إلى ما يُسمى نظرية العقل؛ تشير هذه الأبحاث إلى أن المصابين بالتوحد لا يفهمون أنك شخص مختلف ولك احتياجات مختلفة عن احتياجاتهم. قد يكون ذلك صحيحاً، لكن المعلمين وأولياء الأمور والمتخصصين غالباً ما يفتقرون بالقدر ذاته إلى ما يمكن تسميته نظرية الإحساس والإدراك لدى الطفل.

أنت لا تفهم السبب الكامن وراء شعور طفلك وكأن ضوء المصباح الخافت يعادل وميض صاعقة برق أو أن صوت رنين جرس الباب يعادل صوت ألف من أجراس الكنائس. أنت لا تدرك لماذا قد يحتاج الطفل إلى الركض في أنحاء الفصل الدراسي لحماية نفسه من السقوط على الكرسي. كذلك أنت لا تتخيل كيف أن الزبادي -نظراً لنعومتها- قد تكون أحد الأطعمة القليلة التي لا تجعل طفلك يشعر بأن فمه مليء بالحصى.

يواجه طفلك صعوبة في معرفة احتياجاتك بنفس قدر الصعوبة التي تواجهها في فهم احتياجاته؛ فعلى سبيل المثال قد لا يلاحظ أن تمر بيوم سيء وبالتالي فهو لا يحاول أن يكون أقل إلحاحاً، وقد يستمر في التحدث إلى ما لا نهاية لأنه غير قادر على قراءة علامات الملل لدى مستمعه.

ابحث عن المعاني الخفية

كثير من سلوكيات طفلك قد تكون ليست ذات معنى واضح أو لا يبدو أنها تهدف إلى شيء محدد، إلا أن طفلك لا يقوم بتلطيخ الحائط بالبراز “متعمداً” لمجرد أن يجعلك تصرخ أو تغضب. افترض لوهلة أن السلوكيات “المجنونة” من هذا القبيل منطقية وأن طفلك يرسل إليك رسائل مشفرة عن أشياء تمثل له أهمية، ووظيفتك هي فك تشفير هذه الرسائل لكي تتمكن من “قراءتها”.

قد تتمكن عن طريق الانتباه بشكل مختلف لهذه الأفعال من ملاحظة إشارات لم ترها من قبل، وإيجاد طرق أكثر فعالية لمساعدة طفلك. اتباع هذا النهج من شأنه أيضاً أن يساعدك على الاستجابة بعناية أكبر لهذه السلوكيات “الغريبة”، بحيث لا تقوم بتعزيزها دون قصد عن طريق مكافأة طفلك على الأنشطة التي تزعجك.

أول ما يجب فعله هو البدء في تسجيل هذه الثورات والأفعال بنفس الطريقة التي قد يسجل بها عالم أنثروبولوجيا تصرفات أفراد أحد الشعوب الأصلية المكتشفة حديثاً. علق أحكامك وما تعتقد أنك تعرفه مؤقتاً، ثم لاحظ ما يلي: في أي وقت تقع هذه الأحداث في الغالب؟ هل تبدأ الأحداث بنفس المنوال في الغالب؟ من الممكن أن تزداد احتمالية ثوران طفلك في يوم تناول البيتزا في مطعم المدرسة أو عندما تقوم بإطفاء الأنوار بسبب غمر الظلام للمكان، وقد يكون السبب في ذلك تشغيل ضوء الفلورسنت في المطبخ. توجد “أحداث محركة” في حياة طفلك هي التي تقوم “بتحريك”  السلوكيات الصعبة، وهذ يشبه أن تشعر بالجوع عند مرورك بجوار مخبز. يمكنك استخدام دفتر يوميات أو سجل لتحديد هذه الأحداث المحركة الكامنة وراء بعض السلوكيات الأكثر صعوبة لدى طفلك.

بدلاً من النظر إلى السلوك على أنه سلوك “سيء” ابحث عن كيفية تعارض السياق أو البيئة مع طفلك وادرس في ما يمكنك القيام به حيال ذلك.

البيئة الخارجية

بعض الأشياء الموجودة في محيط طفلك قابل للتغيير وبعضها الآخر غير قابل للتغيير. في بعض الأحيان تكون المشكلة كامنة في إيماءة حسنة النية تؤدي في الواقع إلى نتائج عكسية، مثل قيام معلم بوضع قطعة حلوى في فم ابنك للحفاظ على هدوئه، بينما ما يدركه الطفل هو أن الحلوى مكافأة على صخبه في الفصل.

في بعض الأحيان يمكن لمجرد التعرف على ماهية المشكلة أن يساعدك في علاجها. لا يمكنك فعل شيء حيال صوت الطنين الذي تصدره الثلاجة، لكن إذا أدركت أن صوتها يشتت انتباه طفلك الحساس سمعياً فيمكنك مساعدته في إعداد مكان هادئ لأداء فروضه المدرسية.

ستجد في بعض الأحيان أن هناك عدم توافق بين ما هو متوقع من طفلك وما يمكنه فعله في الواقع.

التحفيز الحسي

من الممكن أن يستجيب طفلك بإصدار سلوك مزعج إذا غمرته الكثير من المعلومات الحسية. ماجد فتى ذكي مُقبل على التعليم بطاقة وافرة، لكنه لديه زميل في الفصل يبكي لساعات كل يوم، صوت هذا البكاء وثقله العاطفي يدفعان ماجد للخروج عن شعوره ويجعلان من الصعب عليه التركيز والتعلم. أدركت والدة ماجد ذلك فحاولت نقله إلى فصل دراسي أقل تشتيتاً له.

المُحفزات الاجتماعية

قد يكون ابنك مدركاً أنه ليس لديه أصدقاء، ولذلك تكون فترة العطلة صعبة للغاية بالنسبة له. في هذه الحالة قد يؤدي التحدث إلى مدرس ابنك وحتى إلى زملائه إلى إحداث فارق، لذلك أخبرهم عن مشاكل ابنك واطلب منهم المساعدة. من المؤكد أن الأطفال يقسون على بعضهم البعض في بعض الأحيان، إلا أنهم يمكن أن يتحلوا بالانفتاح وتقبل الآخر، لذلك حاول الوصول إلى الجانب المشرق من طبيعتهم. لا تفترض أنهم يجب أن يعرفوا من تلقاء أنفسهم كيفية التصرف مع طفلك، بل قم بتعليمهم وسُتفاجأ بمدى الدعم الذي سيقدمونه.

مشاكل التواصل

قد يكون طفلك محبطاً نظراً لعدم قدرته على التواصل مع الآخرين، سواءً بالإبلاغ عن الحموضة التي يشعر بها في حلقه أو عن رغبته في الإجابة على سؤال مكتوب على السبورة. إن استخدام الصور أو لغة الإشارة أو لوحة المفاتيح بدلاً الحديث من شأنه أن يساعد في التغلب على ذلك، وفي هذه الحالة يظهر دور التجارب والمعلم في إحداث الفارق.

الاهتمامات

ربما يكون السبب في خروج طفلك عن المألوف هو أن المعلم أو المادة التي يقدمها لا يجذبانه. إذا كان فصل ابنك في رياض الأطفال يتناول موضوع الديناصورات طوال العام وهو مهتم بالماكينات فقد يكون بإمكان المعلم تحويل الموضوع قليلاً في الاتجاه الذي يستهويه أو قضاء بعض الوقت في الفصل في الحديث عن الآلات المستخدمة في دراسة الديناصورات أو في الحفر لاستخراج عظامها.

البيئة الداخلية

إليك بعض الأماكن التي يمكن أن تبحث فيها عن أدلة ضمن سعيك للتعرف على المحفزات الداخلية لمشاكل السلوك.

  • مصادر الألم: ابحث بتمعن عن جميع المصادر الممكنة للألم مثل الأسنان والحموضة والأمعاء وكسور العظام والجروح والالتهابات والدمامل والالتواءات والكدمات. أي سلوكيات ذات طابع موضعي يُمكن أن تشير إلى ألم ما؛ فإذا كان الطفل دائم الجلوس مكوراً جسده على سبيل المثال أو يريح بطنه على ذراع الأريكة فقد يكون السبب في ذلك شعوره بألم في معدته.
  • النوبات: بعض السلوكيات خاصة تلك التي تبدو غريبة بوجه خاص أو منعدمة الدافع أو مفاجئة قد يكون السبب الكامن وراءها هو النوبات. إذا كنت مهتماً بذلك الأمر فقد بإعداد سجل دقيق للغاية لكل ما تلاحظه، واسع لمعرفة ما إذا كان معلمو ومعالجو الطفل يلاحظون أشياء مماثلة، وناقش ذلك مع الطبيب.
  • حساسيات الطعام: حاول التعرف أي حساسية موجودة لدى طفلك لأي طعام. الإصابة بالإسهال في غضون ساعات قليلة من تناول طعام معين يُمكن أن يشير إلى وجود حساسية منه، والأمر ذاته ينطبق على احمرار أو تورم الخدين أو الأذنين. يُشير الكثير من الأشخاص إلى أن الرفرفة أو السلوكيات المتكررة تختفي لدى أطفالهم عند إيقاف تناول بعد الأطعمة. بإمكان النظام الغذائي الاستبعادي أن يوضح لك بشكل مؤكد ما إذا كانت هناك أطعمة معينة تحفز الألم أو السلوكيات الغريبة لدى طفلك.
  • الألم أو الجوع أو العطش: قد يؤدي الشعور بالجوع أو التعب أو العطش إلى تعكر مزاج طفلك، شأنه في ذلك شأن أي شخص آخر، كما قد تؤدي قلة النوم أو الإصابة بنزلة برد إلى سلوكيات غير عادية، وكذلك يمكن أن يؤدي وجود مرض مزمن أو التهاب بسيط إلى انفعال طفلك. إذا كان لدى طفلك نمط من تعكر المزاج في وقت معين من اليوم فحاول إعطاءه قطعة فاكهة في ذلك الوقت ورؤية ما إذا كانت ستحدث أي فارق.
  • المشاعر: من الممكن أن تؤثر المشاعر مثل الحزن والغضب والخوف والقلق إلى التأثير على السلوك. قد يظن الآباء عند اتخاذهم قرار الطلاق أو مرورهم بأزمة صحية أو تغيير في الوظيفة أو نقل مكان السكن إلى أنهم يُديرون كل شيء على أكمل وجه وأنه لا يوجد سبب يدعو أطفالهم للقلق، لكن في الواقع إذا كنت متوتراً بسبب شيء ما فهناك احتمالية أن يشعر طفلك بالأمر ذاته خاصة إذا كان عاجزاً عن فعل أي شيء حيال ذلك الأمر أو مجرد التعبير عن مخاوفه.
  • مشاكل التنسيق يمكن أن تساهم في التوتر والمشاكل السلوكية. من المعروف للجميع أن حصة الألعاب الرياضية في المدرسة مرهقة، فإذا كان طفلك يعاني من مشكلة في فك الأزرار أو السحابات فإن الوقت القصير المخصص لتغيير الملابس في غرفة تغيير الملابس أو الحمام يمكن أن يضيف قدراً هائلاً من الضغط على طفلك، كما أن السير بشكل غريب في ممر مزدحم بين الفصول يمكن أن يتسبب في ضغط على الطفل.

آمل أنك قد أصبحت الآن تدرك أن هناك الكثير مما يمكن تحقيقه بمجرد البدء في البحث عن طرق لتعديل السياق وعدم الاكتفاء بتعديل السلوكيات.

الاستقرار والتنظيم والاستراحات الحسية

بعد معالجة الاحتياجات الجسدية لطفلك يأتي وقت النظر في التنظيم الحسي والعاطفي. التجارب والخبرات الحسية لطفلك تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك الخاصة بك؛ فعلى الأرجح تتسبب المعلومات الواردة من بعض الحواس في إرباكه، وقد تتسبب الأصوات العالية في إزعاجه، كما أنه لا يحصل على مدخلات كافية من الحواس المسؤولة عن الوعي بالذات والتنظيم.

درسنا جميعاً في المدرسة أن هناك خمس حواس لدى الإنسان: التذوق والشم والسمع والبصر واللمس، إلا أنه هناك حاستان إضافيتان مهمتان لفهم طفلك: الحاسة الدهليزية المسؤولة عن التحكم في التوازن، وحاسة استقبال الحس العميق (حاسة شعور الفرد بجسمه في الفراغ). المعلومات القادمة من هاتين الحاستين لدى كثير من المصابين بالتوحد تكون إما كثيرة للغاية أو ضئيلة للغاية أو مشوهة، مما يؤدي إلى الشعور بالرعب أو الألم أو الانسحاب.

للتغلب على الارتباك يحتاج طفلك إلى المساعدة لتحقيق استقرار حواسه، وفي هذا الصدد توصي المؤلفة جودي إندو -وهي بالغة مصابة بالتوحد- بالاستراحات الحسية، وهي فترات من اليوم يستطيع طفلك خلالها سد احتياجاته الحسية.

ما هو نوع الاستراحات الحسية التي يحتاجها طفلك؟

راقب طفلك وتعرف على ما ينجذب إليه عندما يقوم بسلوكيات متكررة. هذا من شأنه أن يقدم لك بعض الأدلة حول الأنشطة الحسية التي تساعده على لملمة شتات نفسه. بناءً على احتياجات طفلك ونقاط قوته يمكن أن تشمل الاستراحات الحسية ما يلي:

  • الدوران
  • التأرجح
  • القيام بتمرين الضغط مقابل الحائط
  • التدليك بشيء له ملمس معين
  • ارتداء سترة ثقيلة أو بطانية
  • الاستماع للموسيقى
  • المص باستخدام المصاصة
  • مضغ شيء مقرمش
  • أخذ استراحة بصرية في بيئة هادئة
  • استخدام تكنولوجيا مساعدة

بالإضافة لذلك تعد ممارسة التمارين الرياضية طريقة رائعة لتهدئة الجهاز العصبي وتعلم ضبط النفس الجسدي. قد لا تكون الرياضات الجماعية التي تتطلب مهارات متقدمة وتفاعلات اجتماعية فكرة سديدة، ولكن بناءً على عمر طفلك ومهاراته ومخاوفه يمكن أن يؤدي الذهاب إلى الصالة الرياضية أو المسبح أو دحرجة الكرة على الأرض أو الخروج للتنزه مع العائلة أو الجري يمكن أن يؤدي إلى المساعدة في تقليل توتره وتغذية احتياجاته الحسية.

وفقاً لإحدى الدراسات تستمر فائدة معلومات حاسة استقبال الحس العميق لمدة ساعتين تقريباً، لذلك قد يحتاج طفلك إلى استراحة حسية كل ساعتين تقريباً، ويحتاج بعض الأطفال إلى الاستقرار بمعدل أكبر من ذلك بكثير. من المؤكد أن كل طفل مختلف ويمكن أن تتغير احتياجاته يومياً. تتحدث جودي عن حاجتها للحصول على معلومات حسية بشكل استباقي -قبل أن تصبح هناك مشكلة- وبشكل تفاعلي إذا كان هناك شيء ما في الوقت الحالي يشكل ضغطاً عليها.

أحد أهداف العلاج أن يطور طفلك ما يكفي من الوعي الذاتي لمعرفة متى يحتاج إلى الاستقرار وتنظيم الذات والاستراحة الحسية ومعرفة كيفية القيام بهذه الأشياء، وبعد ذلك سيتمكن من تسيير أموره بشكل أفضل في الحياة بغض النظر عن مشاكله.

المقال مترجم بإشراف شخصي عن موقع Help Guide

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s